ما الذي يمنع النساء اللبنانيات من الخضوع للفحص للكشف عن سرطان الثدي؟

ما الذي يمنع النساء اللبنانيات من الخضوع للفحص للكشف عن سرطان الثدي؟

“كنت خائفة”، أجابت حين سألتها “لِم رفضت الخضوع لصورة شعاعية للثدي حين لاحظت تغيراً في ثدييك؟” دارت مئات الأسئلة في خلدي حين عرفت أن شخصاً قريباً إلى قلبي يعاني من السرطان ويرفض إجراء الفحوصات. عاشت هذه السيدة في حالة نكران، غضب، ضياع ويقين بأن حياتها ستتغيّر.

بدأت معركتها مع سرطان الثدي. لم أستطع أن أفهم. كنت غاضبة ومتوترة، ومُلزمة أن أبقى قوية. طرحت السؤال على صديقاتي، بنات عمي، عماتي وعدد من النساء: “أتخضعن للفحوصات للكشف المبكر عن سرطان الثدي، ولماذا؟”سمعت مئات الأسباب والأعذار. أصغيت، ولكن في بعض الأحيان، أبيت أن أصدقهنّ. كنت مصدومة وفضولية لأطلع عن كثب على العوامل التي تؤثر في قرارات المرأة بالخضوع لفحص الثدي، فقررت إيجاد الأجوبة عبر جعل هذا الموضوع محور أطروحة الدكتوراه التي أحضّرها.

إن سرطان الثدي هو نوع السرطان الأكثر شيوعاً الذي يتمّ تشخيصه والسبب الرئيسي للموت من السرطان لدى النساء. والكشف المبكر هو العامل الأكثر دلالة عليه، إلا أن معدل الخضوع للفحوصات منخفض نسبياً ما بين النساء العرب، وغالباً ما يتم تشخيص النساء في مراحل متقدمة من المرض وفي سنّ صغيرة.

تكثر العوامل التي تؤثر في خضوع النساء للفحص بغية الكشف عن سرطان الثدي، ومنها غياب التأمين الصحي، المعرفة المحدودة، الخجل، الخوف وغياب الدعم من العائلة. أثناء العمل على أطروحتي، قمت بمقابلات وأجريت مسحاً شمل 400 سيدة لبنانية تخطين الأربعين، كما أجريت مقابلات مع باحثين وأخصائيين صحيين لتقييم العوامل التي تواجهها النساء اللبنانيات عند السعي للقيام بفحوصات.

ما هي العقبات التي تحول دون الخضوع للفحص للكشف عن سرطان الثدي؟

المعرفة: يفتقر عدد كبير من النساء في لبنان وفي مناطق مختلفة من العالم العربي إلى التوعية حول المؤشرات التحذيرية لسرطان الثدي، كما أنهن لا يدركن أهمية الخضوع لصورة شعاعية للثدي. ومن بين النساء اللواتي شاركن في الاستبيان، تبين أن 70% خضعن للصورة الشعاعية مرة واحدة، فيما لا تخضع معظم النساء لهذه الصورة بشكل دوري. وفي هذا الصدد، تسلّط حملات التوعية الضوء على تثقيف النساء حول سرطان الثدي وتشجيعهنّ على إجراء فحص سنوي لمعالجة مشكلة النقص في المعرفة.

العائلة: تميل النساء إلى الاستهانة بصحتهنّ ومنح الأولوية لعائلاتهن، متناسيات بأن عليهن الحفاظ على صحتهنّ لكي يتمكنّن من العناية بالآخرين. ومن هنا، لا بدّ وأن يشجع أفراد العائلة النساء على الاعتناء بأنفسهنّ وإجراء الفحوصات الشخصية والصور الشعاعية بشكل دوري.

الخوف: يبث سرطان الثدي الخوف في النفوس على أكثر من صعيد. الخوف من الألم، والخوف من الموت، وترك العائلة، والعلاج، والتغييرات الجسدية، والخوف من خسارة الزوج أو التعرض للإهمال عقب إجراء عملية استئصال للثدي. ومن هنا، لا بدّ للأنشطة المرتبطة بالتوعية على سرطان الثدي أن تسلط الضوء على الكشف المبكر، الابتكارات في العلاج، قصص تخطي المرض، مهارات التأقلم، والدعم النفسي للمريضات وعائلاتهنّ.

العوامل الاجتماعية والثقافية: تماماً كما هي عليه الحال بالنسبة للنساء العرب، فالنساء اللبنانيات، ولاسيما العازبات والمسنات، وفي أماكن معينة من البلد، يخجلن ويشعرن بالإحراج من الخضوع للفحص أو العلاج على يد طبيب نسائي أو سواه من الأخصائيين الطبييين، ولاسيما إن كانوا رجالاً. وللشعور بالراحة، قد تسعى النساء لإيجاد أخصائيات أو الذهاب إلى الأخصائي برفقة صديق أو فرد من أفراد الأسرة.

العوامل الاقتصادية: “إن احتجت لجراحة لاستئصال السرطان، سيضطر زوجي لبيع المنزل لتغطية النفقات”. ففي لبنان، تبلغ كلفة الصورة الشعاعية والتصوير الطبقي، نحو 18% من قيمة الحد الأدنى للرواتب. فحتى ولو كانت وزارة الصحة تغطي كلفة الصورة الشعاعية أو تقدمها بأسعار تفاضلية، تقلق النساء بشأن الفحوصات الإضافية، وكلفة النقل إلى المراكز الطبية وكلفة العلاج.

نظام الرعاية الصحية والخبرة: بشكل عام، ليس هناك من ثقة في أنظمة الرعاية الصحية العامة، وجودة الخدمات الصحية المقدمة فيها. ومن هنا، يسهل على النساء إيجاد مستشفيات أهل للثقة عبر سؤال الأصدقاء والأقارب عن الأماكن التي يرتادونها عادة، ولاسيما في المستشفيات العامة حيث يستطيعون الاستفادة من حملات التوعية التي تنظمها وزارة الصحة، والتي يستطعن من خلالها إجراء الصورة الشعاعية للصدر بشكل مجاني.

أشارت الدراسات إلى أن 99% من النساء اللواتي يتم تشخيص إصابتهن بسرطان الثدي بشكل مبكر ويكون السرطان محصوراً في منطقة الثدي يعشن على الأقلّ لمدة خمس سنوات. وإن كان السرطان قد انتشر إلى الغدد اللمفاوية، فتصل هذه النسبة إلى 85% أما إن انتشر في كل أنحاء الجسم، فتبلغ هذه النسبة 27%. ومن هنا، أحثّ كل النساء على منح الأولوية لصحتهن عبر إجراء فحص ذاتي دوري، واستشارة الطبيب لدى ملاحظة أي تغيير في الثدي وإجراء الصور الشعاعية بشكل دوري.

واليوم، بات من الشائع اللجوء إلى العلاجات المكملة، كالوخز بالإبر، والحميات الغذائية، والعلاج بالزيوت العطرية، واليقظة الفكرية، والفنون، والموسيقى والاستشارة النفسية للقضاء على الآثار الجانبية لسرطان الثدي ومساعدة المريضات على التأقلم مع التوتر، والقلق، والاكتئاب والخوف. فالمعرفة بوجود هذه الخيارات وسواها يساعد في الحدّ من الخوف من علاج سرطان الثدي وكل الأمور التي تصادفها المريضة أثناء رحلتها مع المرض.

أيتها السيدات، اعرفن أن الكشف المبكر ينقذ حياتكن! لذا تشجعن وادعمن بعضكن البعض وتعلمن أن تحببن ذاتكنّ لكي تعتنين بصحتكن.

Leave a Reply

Your email address will not be published.